عبد السلام احمد الراغب
44
وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم
وَالْأَفْئِدَةَ النحل : 78 . و وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ النساء : 113 . وتقرن الصورة الحديث عن معرفة الإنسان بعلم الله ، فالمعرفة الإنسانية ناقصة ، والمعرفة الإلهية مطلقة وكاملة وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ الأنفال : 60 . والأشياء لها وجود خارجي . مستقل عن إدراك الإنسان ومعرفته ، فهي مخلوقة لله سواء أأدركها الإنسان أم لم يدركها . وهذه المخلوقات الخارجية قسمان : مخلوقات عالم الشهادة وهي تشمل كل ما يحيط بالإنسان في عالم الطبيعة ، من نبات وجماد ، وحيوان ، وإنسان . وهذه المخلوقات واقعة تحت إدراك الإنسان ، يدركها بحواسه المعروفة ، وهناك مخلوقات غيبية ، لا تقع تحت حواس الإنسان وإدراكه . والصورة القرآنية تستمد من العالمين المشهود وغير المشهود ، مواد تشكيلها أو مقوّمات بنائها الفني وقد حضّ الله سبحانه الإنسان على التأمل في العالم المحسوس ، وزوّده بالعقل لإدراكه ، وفهم أسراره حتى يصل في النهاية إلى الخالق الذي أبدع هذا الكون ، ولكن هذا الربط بين الموجودات الحسية والعقل البشري لا يعني أن نقيم التلازم التام بينهما فنعتبر الإدراك البشري هو المعيار لكل موجود ، فهناك موجودات لا يدركها عقل الإنسان ، مثل ماهية الذات الإلهية ، وصفاتها ، ولكنّ العقل يقرّ بوجودها وإن لم يدرك الماهيات « 1 » . فالصورة القرآنية تركّز على الجوانب المفيدة للمعروفة الإنسانية . وتهمل ذكر المعرفة التي لا تفيد الإنسان في حياته فهي تصوّر لنا آثار الله في مخلوقاته ، وبديع صنعه ، ولا تتحدث عن ماهية الخالق ، وتكتفي بأنه ليس كمثله شيء ، لتبقى صورته مطلقة في ذهن الإنسان ، كذلك في تصوير الملائكة والجن ، تعرض للجوانب التي تخص الإنسان وتفيده في حياته . مع تصحيح تصوّره عن هذه المخلوقات الغيبية . ويشعر الإنسان - وهو يتابع صور القرآن ، ويتأمل عرضها لعالم الشهادة ، وعالم الغيب ، بانجذاب إليها وتفاعل معها ، لأنها صور تغذّي عقله بالمعرفة الحقّة ، من مصدرها الأصيل ، وتقدم له تفسيرا عن حياته التي يجهل مصدرها ونهايتها ، وغايتها ، وتفسيرا عن الكون والوجود والإنسان ، على نحو منظم ومتناسق ، بحيث يشعر الإنسان بوحدة كونية رائعة ، من خلال وحدة المصدر الذي انبثق منه هذا الوجود ، وهو الله سبحانه الخالق ، ووحدة المصير
--> ( 1 ) مصادر المعرفة في الفكر الديني والفلسفي : د . عبد الرحمن بن زيد الزنيدي . ص 89 .